فخر الدين الرازي
235
المطالب العالية من العلم الإلهي
أن اللّه تعالى قال : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فيكون هذا تصريحا من موسى بتكذيب اللّه ، وحاشاه من مثل هذا المقال . والثاني : في هذا الحديث . أن موسى صلى اللّه عليه وسلّم أحكم الحكماء ، بسبب أنه أضاف ذلك الإضلال إلى اللّه ، وأن اللّه أضاف الإضلال إلى السامري في القرآن ، حيث قال : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ وهذا يقتضي أن يكون موسى عليه السلام أكثر حكمة وعلما من اللّه - تعالى عما يقول الظالمون - . والثالث : إن موسى عند اشتغاله بمناجاة اللّه ، ما كان بحيث يسمع صوت قومه . والرابع : إنه لما سمع ذلك الصوت ، لم يفهم كلامهم ، فكيف عرف بمجرد سماع الصوت ، أن القوم قد ضلوا ؟ والجواب عن الأول : ظاهر على قولنا : إن مجموع القدرة مع الداعي ، يوجب الفعل . وذلك لأن السامري « أضلهم » على معنى أنهم إنما ضلوا بسبب الفعل الصادر عنه . واللّه تعالى أضلهم بمعنى أنه تعالى هو الذي خلق القدرة والداعية ، اللذين صار مجموعهما موجبا لحصول ذلك الفعل . فأحدهما : سبب قريب . والآخر : سبب بعيد . وبه خرج الجواب عن السؤال الثاني : وذلك لأنه تعالى أضاف الإضلال إلى السامري ، إضافة الحكم إلى السبب القريب . وموسى صلى اللّه عليه وسلّم أضافه إلى اللّه تعالى إضافة الحكم إلى السبب البعيد . والمبدأ الأول لما بينه موسى عليه السلام ، أنه المؤثر الأول ، الذي هو سبب الأسباب ، لا جرم قال تعالى : « إنك أحكم الحكماء » ولا يلزم من هذا القدر أن يكون أكثر حكمة من اللّه . وأما قوله ثالثا : « كيف سمع موسى هناك أصوات القوم ؟ فنقول : ذلك الزمان أمكن انخراق العادات . وعندنا لا يبعد أن يخلق اللّه سمعا للإنسان يسمع به الأصوات المتباعدة جدا . وأما قوله رابعا : « هب أنه سمع الأصوات ، فكيف عرف أنهم